جلال الدين السيوطي

8

الاكليل في استنباط التنزيل

فإذا عارضنا مادة ( الإكليل ) العلمية بعد ذلك على ( الدر المنثور ) و ( لباب النقول ) و ( تفسير الجلالين - والسيوطي مصنّف شطره الأول - ) تبين لنا أن جلّ استنباطات ( الإكليل ) مكررة في هذه الآثار السيوطية . ولا أكتم القارئ أن هذه الظاهرة ، ربما عادت بكثير من الفائدة على محقق كتب السيوطي - رحمه اللّه تعالى - بل ربما كانت سببا في تذليل عقبات جسام تعترض عمله الشاقّ المضني ، ولا يتهيّأ له من أسباب تذليلها أي مرجع سواها . إلا أن ذلك لا يغرينا بالإغضاء على هذه الظاهرة الغريبة بحق ؛ وإني لأدعو الدارسين إلى مزيد من التمحيص والتحقيق فيها ، معترفا بفضل الإمام السخاوي الذي نبّه إليها في ترجمة السيوطي في ( الضوء اللامع : 4 / 67 - 69 ) . وقد صدق الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى حيث يقول : وعين الرضا عن كل عيب كليلة * كما أن عين السخط تبدي المساويا فإن السخاوي كان قرين السيوطي ومنافسه في عصره ، وقد أصاب حقا إذ كان أول من نبّه إلى تكرارات السيوطي ، وإن كان في سائر ما تحامل به عليه - دون ذلك - متأثّرا بطبيعة علاقة التنافس بين الأقران واعتباراتها . أخيرا أشير إلى أن شخصية ( الإمام السيوطي - رحمه اللّه ) تشيع في أسطر ( الإكليل ) كما شاعت في ( لباب النقول ) و ( الدر المنثور ) وغيرهما . . . فأنت تراه هنا كما عهدته ، متساهلا في حكمه على كل مادة علمية وقعت عليها يده ، فهو ضنين بها أن تضيع أو تحبس في أقفاص الأرفف ! ومن هنا فإننا نقول : إن المصنف - رحمه اللّه تعالى - قد جرى وراء استنباطات بعيدة أو متعنتة - أحيانا - . ولكن لا يفوتني أن أنوه إلى لفتة ذكية من لفتاته يردّ فيها استدلال المعتزلة على أفضلية الملائكة بقوله تعالى [ الأعراف : 20 ] : وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ . . . فقد قال السيوطي : « استدل بها المعتزلة على أن الملائكة أفضل من البشر ، وتأوله أهل السنة ، وأنا أقول : لا أزال أتعجب ممن أخذ يستدل من هذه الآية ، والكلام الذي فيها حكاه اللّه تعالى عن قول إبليس ، في معرض المناداة عليه بالكذب والغرور والزور والتدليس . . » .